خلفية عامة

الجولان تحت الاحتلال
خلفية عامة

المرصد – المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان
2008

 

فهرس الموضوعات

تمهيد

1:    التغييرات القانونية.
1.1:    القانون الدولي لحقوق الإنسان.
1.2:    القانون الدولي الإنساني.

2:     الممارسات الإسرائيلية وآثارها على السكان المدنيين.
2.1:    اقتلاع السكان.
2.2:    الاستيلاء على الأرض ومصادر المياه.
2.2.1:    الاستيلاء على الأرض باعتبارها “متروكة”.
2.2.2:    الاستيلاء على الأرض بإعلانها أملاكاً “حكومية”.
2.2.3:    السيطرة على مصادر المياه.
2.3:    المدارس وتغيير المناهج الدراسية.
2.4:    فرض المجالس المحلية.
2.5:    سياسة التخطيط المتبعة تجاه القرى العربية.
2.6:    ضم الجولان.
2.6.1:    محاولات فرض الجنسية الإسرائيلية على العرب السوريين.
2.6.2:    الفصل من العمل خلال إبان الإضراب.
2.6.2.1: فصل المعلمين.
2.7:    الألغام والأجسام القابلة للانفجار.
2.8:    الاستيطان في الجولان.
2.9:    استغلال الأرض في الجولان قبل الاحتلال.
2.10:    السياسة الاقتصادية لسلطات الاحتلال تجاه العرب.
2.10.1:    نشاط المستوطنين الاقتصادي.

تمهيد

احتلت إسرائيل الجولان عام 1967، وذلك إبان عدوان حزيران. وأصدرت منظمة الأمم المتحدة منذ ذلك الوقت العديد من القرارات الدولية الداعية إلى إنهاء الاحتلال، وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة، وبضمنها الجولان. من جهتها، ترفض إسرائيل تنفيذ تلك القرارات التي أكدت على عدم مشروعية الاحتلال الذي يمثل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ويشكل خطراً على الأمن والسلم الدوليين، حيث مضى على الاحتلال أكثر من 41 عاماً متواصلة.

باشرت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال بتنفيذ السياسات التي كانت الحركة الصهيونية قد أعدتها في مراحل سابقة، والتي تم التعبير عنها من خلال العديد من الرسائل التي بعث بها مؤسسو الحركة إلى العديد من الحكومات، وللمؤتمرات الدولية، كتلك التي أرسلت إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس في 3 شباط/فبراير 1919، ووضعت التصورات بشأن “دولة اليهود” في المستقبل، حيث ورد فيها: “… أن جبل الشيخ يعتبر حيوياً بالنسبة لدولتنا المستقبلية، وأن سلخ هذا الجبل عن هذه الدولة من شأنه أن ينزل بها ضربة حقيقية”.

1 – التغييرات القانونية
أخذت السلطات الإسرائيلية تمهد لضم الجولان مستخدمة آليات الحكم العسكري بأن أوكلت السلطة لقادة عسكريين – سلطة عسكرية -، وأسندت إليهم مهام “التشريع” من خلال إصدار الأوامر العسكرية. وقد تمخض عن مئات الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون في الجولان تثبيت الوضع الناجم عن الاحتلال، والمتمثل باقتلاع الغالبية العظمى من  السوريين -السكان الأصليين- من أراضيهم وبيوتهم، والقيام بعملية تهديم واسعة وشاملة للمدن والقرى والبلدات التي كانوا يقطنونها، وطمس معالم الحضارة العربية لهذا الإقليم. ومن خلال الأوامر العسكرية استطاعت دولة الاحتلال السيطرة على الأرض، ومصادر المياه، ومختلف الثروات.

وفي معرض ذلك، حرصت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ سياسة الضم بالأمر الواقع، فباشرت ببناء المستوطنات في الجولان، واستقدمت المستوطنين اليهود الذين تم توطنيهم فيها ووضع كافة ثروات ومقدرات هذا الإقليم التي تمت في خدمتهم، وسخرت لدعم اقتصاد دولة الاحتلال.

استمرت الإدارة العسكرية للجولان حتى تاريخ 14/12/1981 وهو تاريخ إصدار الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي للقانون القاضي بضم الجولان (قانون تطبيق القوانين الاسرائيلية على هضبة الجولان لعام 1981). وأدانت منظمة الأمم المتحدة قانون الضم بصفته مخالفاً لأسس ومبادئ القانون الدولي المعاصر، وطالبت إسرائيل بإلغائه واحترام أحكام القانون الدولي التي تنظم حالات الاحتلال الحربي والالتزام بتطبيقها على الجولان وكافة الأراضي العربية التي احتلت عام 1967، كما طالبت المجتمع الدولي برفض الاعتراف به أو التعامل معه.

ينبغي التأكيد أنه يتعين على إسرائيل بصفتها دولة احتلال تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني وفي مقدمتها تلك المنصوص عليها في اتفاية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949 –لاحقاً اتفاقية جنيف الرابعة، واحترام المعايير المنصوص عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتطبيقها على نطاق الأراضي المحتلة بما في ذلك الجولان، الأمر الذي تؤكده منظمة الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، وفقهاء القانون الدولي.

1.1- القانون الدولي لحقوق الإنسان
أقرت منظمة الأمم المتحدة بمبدأ سريان الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان على الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفعلية للدول الأطراف في هذه الاتفاقيات، بما فيها على الأقاليم المحتلة. ويتعين التعاطي مع المعايير المنصوص عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان بصفتها القاعدة الأساسية وتطبيقها على المنازعات المسلحة دون استثناء، مما  يجعل إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، ملزمة باحترام حقوق الإنسان في الجولان المحتل، وذلك وفقاً لما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهدين الدوليين لعام 1966، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، واتفاقية منع كافة أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لعام 1984 وغيرها، بما يفضي إلى حماية حقوق سكان الأراضي المحتلة وتعزيز احترامها.

1.2- القانون الدولي الإنساني
تجمع الدول ومعظم فقهاء القانون الدولي على ضرورة تطبيق القانون الدولي الناظم للمنازعات المسلحة وما يترتب عليها أحياناً من واقع احتلال حربي على الأراضي العربية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي. ينسحب ذلك على الجولان المحتل، حيث يتعين على إسرائيل كقوة احتلال احترام أحكام القانون الدولي الإنساني، والالتزام بتطبيقها على هذا الإقليم وسكانه. وعلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الوفاء بتعهداتها طبقاً للاتفاقيات بما يفضي لإرغام دولة الاحتلال على تنفيذ التزاماتها القاضية بتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني على الجولان المحتل وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949.

يشار إلى أنه لا يجوز تعطيل أحكام الاتفاقية إلا في حالة اندماج الإقليم المحتل ضمن إقليم دولة الإحتلال أو إقليم دولة أخرى، أو في حالة ضمه، شريطة أن يتم ذلك بموجب تسوية سياسية غير قسرية تم قبولها والإعتراف بها من قبل المجتمع الدولي، وبخلاف ذلك فإنه يفترض مواصلة تطبيق أحكام الإتفاقية. يترتب عما سبق وجوب سريان أحكام اتفاقية جنيف الرابعة على الجولان السوري المحتل، وذلك لتأمين الحماية لسكانه السوريين طالما استمر احتلال إسرائيل لهذا الإقليم، خاصة وأن ضم إسرائيل للجولان تم بصورة قسرية، ومخالفة للقانون الدولي الذي يحظر احتلال أراض الغير أو ضمها، حيث لاقي هذا القرار رفض وإدانة واسعتين من قبل المجتمع الدولي ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة.
2- الممارسات الإسرائيلية وآثارها على السكان المدنيين
تحاول السلطات الإسرائيلية تبرير سياساتها غير المشروعة تجاه الجولان، وممارساتها التعسفية وغير الإنسانية بحق سكانه السوريين. فقد استخدمت مئات الأوامر العسكرية الصادرة إبان فترة الحكم العسكري التي استمرت لغاية 14/12/1981 لتمرير سياسة اقتلاع السكان الأصليين ومنعهم من العودة إلى مدنهم وقراهم التي تم تهديمها، وبناء المستوطنات على أنقاضها وتوطين المستوطنين اليهود فيها، والسيطرة على الأرض والمياه، وتهميش العرب السوريين الذين تمكنوا من البقاء في الجولان، والتضييق عليهم على كافة الأصعدة.

وقد استمرت السلطات الإسرائيلية في انتهاج نفس السياسات بعد ضمها للجولان لكن هذه المرة بحجة تطبيق القانون الإسرائيلي الذي تم فرضة على الجولان، حيث واصلت سياسة الاستطيان، ووضع كافة مقدرات الجولان في خدمة الاستيطان والاقتصاد الإسرائيلي، واستمرت في انتهاج سياسة التضييق على السكان السوريين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك على نحو مخالف للمعايير التي تكفلها الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولأحكام القانون الدولي الإنساني التي يفترض سريانها على الإقليم المحتل وسكانه.

2.1- اقتلاع السكان الأصليين وتشتيت الأسر السورية
وفقاً للمصادر السورية فقد بلغ عدد سكان الجولان بعيد احتلاله وتحديداً في سنة 1966 حوالي 147613 نسمة من قوميات مختلفة. شكل العرب حوالي 80% من السكان، وتوزع الباقون قوميات مختلفة ذات أصول قفقازية (الشركس، داغستان، أسيتين، شيشان)، إضافة لحوالي 3000 نسمة من التركمان، ومئات من الأرمن.

قبل الاحتلال كان الوضع السكاني والعمراني في القسم المحتل من الجولان مغايراً عما هو عليه اليوم، حيث كانت المنطقة عامرة بالسكان ويقطنها حوالي 138 ألف مواطن سوري موزعين على 312 مركزا سكانيا من بلدات وقرى إضافة لمدينتين هما القنيطرة الواقعة في وسط الجولان ومدينة فيق الواقعة جنوب الجولان. أجبرت قوات الاحتلال 131 ألف نسمة على النزوح إلى داخل سورية، وبقي حوالي 7 آلاف نسمة موزعين على ست قرى تقع في أقصى شمال الجولان بمحاذاة الحدود السورية اللبنانية وهي مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنية، الغجر، سحيتا (تم تحويل قرية سحيتا لموقع عسكري إسرائيلي، وذلك بعد ترحيل سكانها إلى قرية مسعدة المجاورة وتهديمها بالكامل خلال الأعوام 1971 – 1972). بموازة ذلك، نفذت قوات الاحتلال حملة واسعة استهدفت مسح معالم باقي القرى والمدن، فقامت بتهديمها، وبنت المستوطنات على أنقاضها، واستولت على الأراضي ومصادر المياه، ووضعتها في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي والمستوطنين، مستخدمة الأوامر العسكرية التي أصدرها القادة العسكريون الذين تعاقبوا على حكم المنطقة وإدارتها.
ففي 18/6/1967 صدر الأمر العسكري (رقم 1) بشأن المساحات المغلقة ليعلن بموجبه عن الجولان بأكمله منطقة مغلقة، حيث حظر على الأشخاص أيٍ كانت هويتهم الدخول إليه أو الخروج منه. جاء هذا البلاغ ليعزز الوضع الذي ساد في الجولان بعيد الاحتلال بعد انتهاء قوات الاحتلال الإسرائيلي من إفراغ المنطقة من السكان السوريين (السكان الأصليين)، وذلك للحيلولة دون عودة المواطنين السوريين الذين تم اقتلاعهم.

أصدر القائد العسكري الإسرائيلي بعد ذلك التاريخ بعدة أيام الأمر العسكري (رقم 13) وذلك في 4/7/1967 والقاضي بالإعلان عن المساكن التابعة لسكان مدينة القنيطرة التي أضحت خالية تماماً مساحات عسكرية مغلقة، لا يسمح بدخول وخروج السكان منها وإليها، إلا بموجب رخصة خطية يصدرها بنفسه.

ولضمان فاعلية سياسة التهجير أصدر في 17/9/1967 الأمر العسكري (رقم 57) المتعلق بمنع التسلل، ليحول بذلك دون عودة السكان المدنيين لأماكن سكناهم في الجولان عبر التسلل إليها من داخل سورية، أو لبنان، أو الأردن، حيث وضعت عقوبات في منتهى القسوة على كل من يحاول العودة إلى داره.

ومن أخطر ما ترتب على ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان هو اقتلاع الغالبية العظمى من سكانه السوريين – السكان الأصليين، وذلك على نحو مخالف لأحكام المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تحظر النقل القسري الجماعي والفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه، الأمر الذي يدخل ضمن نطاق الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة (المادة 147). ولم تكتفي سلطات الاحتلال بإفراغ الجولان من غالبية سكانه السوريين، بل تعمدت قطع كافة أشكال الاتصال والتواصل بين الأسر التي شتت، منتهكة بذلك أحكام المادة 26 من الاتفاقية الرابعة التي تنص على تجديد الاتصال بين أفراد الأسر المشتتة، وجمع شملهم في حال أمكن ذلك.

حالة عينية – السيد ف:
التقى المرصد” السيد ف المولود عام 1953 في بيته الكائن في قرية بقعاثا المحتلة، وهو يعمل في الزراعة. ذكر السيد ف في شهادته للباحث الميداني لمؤسسة “المرصد” أن جميع أفراد أسرته كانوا قد غادروا الجولان خلال حرب حزيران بهدف الالتحاق بأخويه اللذان كانا يؤديان الخدمة العسكرية في الجيش السوري، وبقي بمفرده مع جدته في قرية بقعاثا وكان عمره آنذاك 14 عام.

تتكون أسرة السيد ف من سبعة أشخاص – الوالدين وخمسة أخوة يعيشون في دمشق أربعة منهم أرباب أسر. وبسبب رفض سلطات الاحتلال السماح له السفرإلى دمشق، التقى أخوته في عمان في العام 1998 حيث تم الاتفاق فيما بينهم على الالتقاء مجددا خلال عيد الأضحى على أن يجتمع جميع الأخوة وأفراد أسرهم والوالدين. ويتابع السيد ف حديثه بمراره وأسى، فيقول: أنه ولسوء الحظ وقبل الموعد المحدد للقاء بسبعة أيام تلقى مكالمة هاتفية من أخوته الذين أبلغوه بوفاة والدته التي لم يراها منذ العام 1967.
يصف السيد ف حجم المعاناة التي تعيشها الأسر العربية السورية التي شتتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي قائلاً: هذه مأساة إنسانية في منتهى الخطورة، وهي تطغى باستمرار على واقع حياة ومعيشة الأسر في الجولان التي أزداد تعدادها وتفرعت عبر جهتي خط وقف إطلاق النار لدرجة أن أفراد الأسرة الواحدة لا يعرفون بعضهم البعض نتيجة عدم التواصل منذ العام 1967، فالأخ لا  يعرف أخاة، والأم والأب لم يلتقوا أولادهم منذ ما يقارب الأربعة عقود، حيث أنه يمكن القول بأن مأساة أهالي الجولان شبيهة بمأساة الأسر الكورية التي شردتها الحرب الكورية في خمسينات القرن العشرين ولم تلتقي بعضها منذ ذلك الحين.

2.2- الاستيلاء على الأرض ومصادر المياه
شرعت السلطات الإسرائيلية منذ بدء الاحتلال في انتهاج السياسات الهادفة إلى السيطرة على كافة موارد الجولان ومقدراته وفي مقدمتها الأرض والمياه. وقد هدفت التغييرات “القانونية” التي تم استحداثها على صعيد الجولان إبان فترة الحكم العسكري وبعد الضم لتحقيق هذه السياسات.

2.2.1- الاستيلاء على الأرض باعتبارها ” متروكة ”
تزامن إعلان سلطات الاحتلال عن الجولان المحتل منطقة مغلقة بإصدار الأمر العسكري رقم 20 الذي اعتبرت بموجبه الممتلكات الخاصة المنقولة، وغير المنقولة (العقارات، النقود، الأوراق المالية) “أموالاً متروكةً”. وتم تعيين شخصية معنوية أوكلت لها المسؤولية عن هذه الأموال وصلاحية التصرف بها وتأجيرها بواسطة الارتباط بعقود، وشراء وبيع الأموال المنقولة. واستغل المسؤول عن “الأموال المتروكة”، – والتي تعود ملكيتها للحكومة السورية، وللمواطنين السوريين الذين هجروا قسراً من الجولان، – الصلاحيات الموكلة إليه لوضع جميع الأراضي التابعة لهم تحت السيطرة المطلقة لسلطات الاحتلال والمستوطنين الذين أجيز لهم استملاكها والتصرف بها. أضف إلى ذلك أن الغياب القسري للمالك السوري بحكم اقتلاعه من قبل المحتل الإسرائيلي عن الأراضي المحتلة، سهل مهمة سلطات الاحتلال في التصرف بها بحكم أنه ليس بإمكانه الدخول معها في نزاعات تتعلق بالممتلكات.

حرصت إسرائيل كدولة احتلال على إظهار إجراءتها وكأنها تتماشى مع القانون الدولي الإنساني عبر إصدار الأوامر العسكرية، لكنها لم تلق التأييد لأنها تخالف المبادئ والأسس التي يقوم عليها القانون الدولي المعاصر بشأن حظ احتلال أراضي الغير بالقوة وتهجير سكانها الأصليين واستيطانها وضمها. فطبقاً للبند الأول من المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، فانه يحظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال، أو إلى أراضي أية دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، باستثناء الإخلاء الكلي أو الجزئي، إذا اقتضى ذلك أمن السكان أو لأسباب عسكرية قهرية، على أن يقتصر الإخلاء ضمن الأراضي المحتلة، شريطة إعادة هؤلاء السكان الذين أخلوا نتيجة لهذه الأسباب إلى أماكن سكناهم بمجرد توقف العمليات العدائية (الحربية).
2.2.2- الاستيلاء على الأرض بإعلانها “أملاكاً حكومية”
تعمدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إساءة تفسير أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تجيز للمحتل إدارة الأملاك والأراضي الحكومية، والانتفاع بها، فوظفتها في خدمة مشروعها الذي يهدف إلى إبقاء سيطرتها على المنطقة، وتهويدها، واستيطانها. وفي 20 تموز/يوليو 1967 أصدر القائد العسكري لقوات الاحتلال في الجولان الأمر العسكري رقم 21 بشأن الأموال الحكومية ليضع بذلك الأموال المنقولة وغير المنقولة في الجولان والتي تعود ملكيتها للدولة السورية تحت تصرف شخصية اعتبارية خاضعة لهذه السلطات، وأوكل لها المسؤولية عن إدارتها، والتصرف بها بواسطة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لذلك .

لقد أرست هذه السياسات الأسس الكفيلة بتوزيع الأراضي والممتلكات التي تعود ملكيتها للحكومة والسكان السوريين على المستوطنين اليهود الذين كانت إسرائيل قد باشرت باستقدامهم وتوطينهم في الجولان المحتل، فسيطرت على كافة مقدرات هذه المنطقة من أرض ومياه وغابات وتصرفت بها، وذلك خلافاً لأحكام القانون الإنساني الدولي.

2.2.3- السيطرة على مصادر المياه
بعيد الاحتلال بوقت قصير، باشرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ جملة من الإجراءات الهادفة للسيطرة على المصادر والموارد المائية منتهكة بذلك القواعد الدولية المنصوص عليها في اتفاقيات لاهاي المتعلقة بقواعد الحرب البرية لسنة 1907 المتعلقة بالتزام دولة الاحتلال باحترام الملكية الخاصة وعدم مصادرتها، وتلك التي تحظر على سلطة الاحتلال استخدام المؤسسات والمباني العمومية والغابات والأراضي الزراعية ومصادر المياه التي تعود ملكيتها للدولة المعادية وإدارتها إلا وفقا لقواعد الانتفاع (المادة 55 من الاتفاقية).

تجيز أحكام لاهاي لقوة الاحتلال التدخل في الحياة الاقتصادية في الإقليم المحتل كمصادرة الممتلكات الخاصة، أو الاستيلاء على الممتلكات المنقولة العامة، أو استعمال الممتلكات غير المنقولة التابعة للدولة صاحبة السيادة الشرعية على الإقليم المحتل على أن يقتصر ذلك على الحالات التالية:
– الإيفاء باحتياجاتها العسكرية ومستلزماتها الأمنية (متطلبات العمليات والتحركات العسكرية لقوات الاحتلال داخل نطاق الإقليم المحتل).
– تغطية النفقات الناجمة عن الاحتلال الحربي.
– حماية وتوفير مصالح ورفاهية السكان المدنيين في الإقليم المحتل.

تنتهك السلطات الإسرائيلية هذه الأحكام على نحو خطير، إذ استغل القائد العسكري الصلاحيات الموكلة إليه فأصدر في 24\3\1968 الأمر العسكري رقم 120، والذي نص على تعيين مسؤول له كافة الصلاحيات المتعلقة بأعمال المياه، وذلك من أجل ضمان السيطرة على مصادر المياه الموجودة في الجولان، حيث جاء في الأمر ما يلي: “… لا يجوز لأي شخص أن يقوم ولا أن يتسبب في القيام بأعمال المياه، أو بأي منها، إلا بموجب ترخيص جدي صادر عن المسؤول ووفقاً لشروط الترخيص”.

ذلك مكن المحتل من السيطرة على كافة مصادر المياه، فيما حرم السكان العرب السوريين من الوصول إليها واستخدامها للأغراض الزراعية، الأمر الذي ساهم في تقويض القاعدة الزراعية لهؤلاء التي كانت تشكل المصدر الأساسي لدخلهم لتصبح الزراعية مصدراً ثانوياً ومكملاً.

وفي الوقت الذي توفر للمستوطنين كميات غير محدودة من المياه، وبأسعار رمزية، شرعت سلطات الاحتلال مؤخراً بمد المزارعين العرب في الجولان بكميات قليلة من المياه المخصصة لأغراض الزراعة (الري)، وذلك بأسعار مضاعفة، علماً أن الكمية المخصصة للمزارع العربي السوري لا تتجاوز 10% من تلك المخصصة للمستوطن اليهودي الذي يمارس الزراعة.

2.3- المدارس وتغيير المناهج الدراسية
أقدمت السلطات الإسرائيلية بعد الاحتلال مباشرة إلى تغيير المناهج الدراسة السورية التي كان معمولاً بها في مدارس الجولان، واستبدلتها بمناهج إسرائيلية. وقد تم فرض المناهج الدراسية الجديدة على السكان العرب عنوة رغم معارضتهم الشديدة لها. ومن أخطر ما ترتب على المناهج الدراسية المستحدثة من قبل المحتل، تجاهلها التام للهوية والثقافة العربيتين، ولحضارة وتاريخ السكان المحليين، إضافة لعدم استجابتها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان بحكم انتهاكها للحقوق الثقافية للسكان، وتركيزها على البعد الطائفي وذلك في إطار محاولة فصل العرب السوريين عن جذورهم القومية، والثقافية، وعن التقاليد والتراث العربيين، والتعاطي مع الجولان كجزءً لا يتجزأ من إسرائيل.

وتحتكر سلطات الاحتلال إدارة المدارس في الجولان، حيث تتدخل أجهزة المن الاسرائيلية وتحديداً جهاز المن العام (الشابك) في تعيين وفرض إدارة هذه المدارس والمعلمين، بما يضمن تطبيق المناهج الدراسية الموجهة لتمرير السياسات الإسرائيلية الهادفة لعزل طلبة المدارس عن محيطهم وثقافتهم العربية. وترفض السلطات وإدارات المدارس أي تدخل من قبل أهالي الطلبة لمراقبة المسيرة التعليمية، ومستوى أداء الهيئة التعليمية، أو التدخل في أساليب وطرق التعليم المتبعة، مما يجعل هذه الإدارات، والهيئات التعليمية خارج نطاق المراقبة والمساءلة، وذلك خلافاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

2.4- فرض المجالس المحلية
في سياق اتباعها لسياسة الضم بالأمر الواقع، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 1976 إلى استحداث خمس مجالس محلية في كافة القرى السورية المحتلة، وفرضتها على السكان السوريين. يرفض المواطنين العرب السوريين في الجولان الاعتراف بالمجالس التي تم إنشاءها باعتبارها غير شرعية، في حين تحرص سلطات الاحتلال على تعيين لجان لإدارة هذه المجالس من الأشخاص الموالين لها، والمتعاونين معها، مما يجعلها خارج نطاق الرقابة والمساءلة إلا من قبل المحتل. يذكر أن المجالس المحلية قد لجأت فور إنشاءها إلى السيطرة على كافة مناحي الحياة اليومية (الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية) للسكان والتحكم بها من خلال إدارة مختلف أنظمة الخدمات كالكهرباء، والماء، المشاريع التطويرية، البناء، المدارس بكافة مستوياتها حيث تديرها بصورة اعتباطية وردئية للغاية لا تتناسب مع المعايير الحديثة والمتمدنة، كما أنها لا تستجيب في غالبية الأحيان للمعايير الدنيا المفترض توافرها لضمان سلامة، ورفاه، وراحة السكان.

وفي حين تتقاعس المجالس المحلية ممثلة بالأشخاص الذين يديرونها عن تقديم الكثير من الخدمات الضرورية للسكان، إلا أنها تحرص على جباية الضرائب من السكان العرب بصورة منتظمة، وباستخدام مختلف الأساليب بما في ذلك اللجوء للقضاء الإسرائيلي لإرغامهم على التسديد. ويلاحظ أن إدارة المجالس المحلية تتعمد في الكثير من الأحيان حرمان الكثير من الفئات والأشخاص من أبسط الخدمات التي تحتكر تقديمها، وذلك في معرض ممارسة الضغوط عليها. ويحظى الموالون للاحتلال بمعاملة تفضيلية إلى أبعد الحدود، إضافة لبعض الفئات التي تنال امتيازات سعياً لابتزازها، وإسكاتها.

2.5- سياسة التخطيط المتبعة تجاه القرى العربية
ينطلق علم التخطيط المكاني من مفهوم إيجاد البنى التحتية التي من شأنها أن تساهم في تطوير الظروف المعيشية للإنسان، وبالتالي من أجل رفاهيته. فسياسة التخطيط المكاني ما هي إلا إنعكاس لإرادة السلطة في كيفية رسم وتشكيل البيئة الحياتية للفرد والمجتمع الواقعين تحت سيطرتها. لكن سياسة التخطيط التي تنتهجها إسرائيل تجاه مواطنيها الفلسطينيين وفي الأراضي العربية المحتلة تقوم على التمييز والفصل العنصريين، وبالتالي تهدف فقط إلى تحقيق مصالح وحاجيات الجهة المسيطرة (اليهود) ومن ثم تهميش حاجيات ومصالح الفئة المسيطر عليها (العرب).

وعلى صعيد الجولان المحتل، تنتهج السلطات الإسرائيلية سياسة التضييق على السكان العرب السوريين، فتضع المعوقات التي تحول دون الوفاء باحتياجاتهم من الأبنية المخصصة للسكن ولأإقامة المشاريع التطويرية. كما أنها تصادر الأراضي، وتعلن عنها مناطق خضراء أو مناطق حيوية للمصلحة العامة، وذلك لمنعهم من استخدامها لأغراض البناء وغيرها.

أن الخرائط الهيكيلية التي أقرتها سلطات الاحتلال للقرى العربية وذلك بالتعاون مع المجالس المحلية المعينة من قبلها لا تستهدف إيجاد القاعدة والأدوات الكفيلة بخدمة التطور العمراني والبنى التحتية وبالتالي خدمة مصالح السكان، بل لوضع المعوقات التي تحول دون التطور العمراني وتوفير البنى التحتية الكفيلة بتحسين ظروف معيشة السكان، فهي تخدم سياسة دولة الاحتلال القائمة على مبدأ مصادرة الأراضي، وحرمان أصحابها الشرعيين من استغلالها لمصلحتهم، وهكذا تشكل الخرائط الهيكلية آداة لتضييق الخناق على السكان الأصليين عبر فرض حصار على التوسع العمراني.

إن وضع القرى العربية في الجولان المحتل يتميز بمستوى منخفض من حيث توفر البنى التحتية وجودتها. فهم يعانون جراء انتهاج سلطات الاحتلال لسياسة التضييق العمراني تجاههم، والنقص الخطير الحاصل على صعيد تطوير الأمور الحيوية من حيث وضع الشوارع، ومياه الصرف، وتطوير بناء المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية، توفير بنى تحتية للمناطق الصناعية.

لقد تضاعف عدد السكان العرب في الجولان ثلاثة مرات منذ الاحتلال وحتى اليوم. لكن سياسة التضييق ومصادرة الأراضي التي تنتهجها سلطات الاحتلال تجاه السكان الأصليين أدت لعدم استجابة المساحات المتبقية بحوزتهم لاحتياجاتهم المتزايدة، مما يفضي إلى القول بأن سياسة التخطيط العنصرية التي تنتهجها سلطة الاحتلال تجاه السكان السوريين في الجولان تحد من تطورهم، وتحول دون التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك على شكل مخالف للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وفي مقدمتها الحق في السكن الملائم، وحق الانتفاع بالموارد، والحق في التنمية، والحق في ظروف معيشة تضمن الحياة الكريمة.

2.6- ضم الجولان
منذ بدء الاحتلال باشرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتباع مختلف السياسات الهادفة لضم الجولان – الضم بالأمر الواقع De Facto Annexation. وفي الوقت الذي كان القادة العسكريون يديرون الجولان بواسطة إصدارهم للأوامر العسكرية، دأبت سلطات الاحتلال على تمرير هذه السياسة من خلال وضع الأسس الكفيلة بتحقيقها، فأجيز لمختلف المؤسسات الإسرائيلية الحكومية أن تمارس نشاطاتها في الجولان، كما أنشئت محكمة مدنية إسرائيلية – محكمة الصلح – التي كان مقرها قرية مسعدة.

وفي سياق استحداث المؤسسات والآليات المدنية الكفيلة بتكريس الضم الفعلي على أوسع نطاق ممكن، لجأت سلطات الاحتلال ممثلة بالحاكم العسكري مع بداية العام 1980 إلى فرض الجنسية الإسرائيلية على السكان العرب مستخدمة مختلف طرق وأساليب الإرهاب، والتخويف، والضغط المخالفة لأحكام القانون الدولي الإنساني، حيث تعمدت حرمان الغالبية العظمى من السكان ممن لم يرتضوا قبول الجنسية الإسرائيلية من مصادر عيشهم، والحد من حريتهم في التنقل، وتهديدهم بالفصل من أماكن عملهم، وبحرمانهم وأفراد أسرهم من تلقي الخدمات الصحية، والاجتماعية، والثقافية. كما مارست قوات الاحتلال سياسة مداهمة البيوت، وتهديد كل من يرفض التنازل عن الجنسية السورية بالفصل من العمل، وبقطع مصادر المياه العائدة لهم والمخصصة لري المزروعات كالتفاح والكرز، وبتهديم البيوت، وبإغلاق الحوانيت.

وفي 14 كانون الأول/ديسمبر أقدم الكنيست الإسرائيلي على المصادقة بالقراءة الثالثة على قانون ضم الجولان الذي تقدمت به آنذاك الحكومة التي كان يترأسها مناحيم بيغين. ويقضي قانون ضم الجولان “قانون تطبيق القانون الإسرائيلي على هضبة الجولان لسنة 1981” بتطبيق القانون والإدراة التابعين لدولة الاحتلال على الجولان على أن يباشر بذلك من تاريخ مصادقة الكنيست عليه. وأنيطت بوزير الداخلية الإسرائيلي مهام تنفيذ القانون، بأن أعطيت له صلاحية إصدار الأنظمة الإدارية الكفيلة بذلك.

لم يتوان مجلس الأمن عن إصدار قرار يدين هذا الفعل المخالف لأسس ومبادئ القانون الدولي، حيث تبنى بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 1981 القرار رقم 497 الذي اعتبر بموجبه “قرار إسرائيل بفرض قوانينها وسلطاتها واداراتها في مرتفعات الجولان السورية المحتلة ملغياً وباطلاً ومن دون فعالية على الصعيد الدولي. وبحكم العادة، لم تكترث إسرائيل لقرار مجلس الأمن ولم توليه أي اعتبار لتواصل تنفيذ سياسة الضم عبر تطبيق كافة قوانينها وبسط سلطاتها وإداراتها على الجولان، وهي معمول بها لغاية الوقت الراهن.

2.6.1- محاولات فرض الجنسية الإسرائيلية على العرب السوريين
في 17 كانون الثاني/يناير  من العام 1982 قام وزير الداخلية الإسرائيلي بإصدار أنظمة إدارية تقضي بفرض وتوزيع الجنسية الإسرائيلية على سكان الجولان العرب خلال مدة أقصاها الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1982. وقد تصدت الغالبية العظمى من السكان لهذه الممارسات عبر اتخاذ العديد من الخطوات والاجراءات على الأرض، بما في ذلك تنفيذ جملة من الإضرابات التحذيرية التي استمر كل منها ثلاثة ايام، تبعها عقد اجتماع جماهيري في قرية مجدل شمس في التاسع من شباط/فبراير 1982 ضم مواطني أربعة قرى هي مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنية، حيث تقرر التوجه إلى حكومة الاحتلال ببيان يعبر عن استنكارهم وإدانتهم الشديدين لقانون الضم، مطالبين بإلغائه حيث أمهلوها مدة أقصاها 15 يوم للرد.

تجاهلت دولة الاحتلال البيان الذي وجهه سكان الجولان، واتخذت خطوات تصعيدية حين أقدمت في 13 شباط/فبراير 1982 على اعتقال العديد من القادة والنشطاء السياسيين المناهضين للاحتلال، بان أصدرت أوامر اعتقال إداري مدتها ستة شهور. ورداً على هذه الخطوة التعسفية عقد أهالي القرى الأربعة في اليوم التالي اجتماعاً جماهيرياً في قرية مجدل شمس، وتم الإعلان عن إضراب شامل ومفتوح (لفترة غير محددة)، وذلك لحين إلغاء سلطات الاحتلال لقانون الضم، والتراجع عن نيتها في فرض الجنسية الإسرائيلية على السكان العرب، وإطلاق سراح المعتقلين.

بعد الإعلان عن الإضراب المفتوح انتهجت سلطات الاحتلال سياسة العقوبات الجماعية بحق السكان العرب، فأعلنت القرى الأربعة بمثابة منطقة عسكرية مغلقة مستندة بذلك على أحكام المادة 125 من أنظمة الطوارئ لعام 1945. وبحلول 31 أذار فرضت قوات الاحتلال نظام منع التجول على القرى الأربعة وذلك لغاية 2 نيسان   1982 حيث حظر على السكان مغادرة بيوتهم، أو الخروج إلى ساحات البيوت، أو حتى فتح الستائر والنظر إلى الخارج، وانتشر آلاف الجنود في كافة القرى، وباشروا باقتحام البيوت وتوزيع الهويات الإسرائيلية على السكان بواسطة اليد مستخدمين مختلف الطرق لإجبارهم على استلامها. قوبلت هذه الممارسات برفض المواطنين الذين كانوا يلقون بالهويات إلى الشوارع، وبعد انتهاء قوات الاحتلال من مهمة التوزيع غادرت القرى في صبيحة 3 نيسان حيث خرج المواطنون إلى الشوارع ليقوم السكان بجمع الهويات وإحراقها في الساحات الرئيسية للقرى، كما تم إرسال قسم منها بطرود بريدية إلى الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي.

فشلت السلطات الإسرائيلية بكسر الإضراب نتيجة مقاومة العرب السوريين لسياساتها. وقد أعلن السكان عن إنهاء الإضراب في 20 يوليو/تموز 1982 أي بعد خمسة أشهر وستة أيام، وذلك بعد أن تعهدت السلطات الإسرائيلية بالتراجع عن قرار فرض الجنسية الإسرائيلية. وبالرغم من تعهد سلطات الاحتلال بعدم فرض الهوية الإسرائيلية على السكان، إلا أنها نقضت بهذا التعهد لاحقاً حيث تم فرض الهوية الإسرائيلية عليهم، وبات الوضع القانوني لهؤلاء مماثلاً لوضع العرب الفلسطينيين سكان القدس المحتلة والمتمثل بمنحهم الإقامة الدائمة مع فارق واحد، وهو حق سكان القدس الفلسطينيين بحمل الجنسية الأردنية إضافة لوثيقة سفر إسرائيلية تحدد جنسية المقدسي بأنه أردني، في حين تنص وثائق السفر الإسرائيلية التي بحوزة سكان الجولان السوريين على أن جنسيتهم غير معروفة(Undefined).

2.6.2- الفصل من العمل إبان الاضراب
لجأت سلطات الاحتلال في بداية الإضراب المناهض للضم عام 1982 لاستخدام مختلف الأساليب التي من شأنها الضغط على السكان العرب السوريين وحملهم على إنهاء الإضراب بما فيها تلك المتمثلة بحرمانهم من مصادر دخلهم، والمساس بمصادر رزقهم ومعيشة أسرهم. وفي هذا السياق، لجأت الشركات الإسرائيلية وتحديداً شركات البناء إلى اتباع سياسة فصل العمال المضربين من أماكن عملهم، وحرمانهم من التعويضات،ومصادرة مستحقاتهم المتراكمة لديها خلال ما يزيد عن عقد من العمل المتواصل. لم تنجح هذه السياسات في حمل العمال على وقف الإضراب بالرغم من أنها صادرت حقهم الأساسي في التعويض، والذي تمثل بسرقة المستحقات المتراكمة لهؤلاء، وفقدانهم لأماكن عملهم منتهكة بذلك المعايير المنصوص عليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

2.6.2.1- فصل المعلمين
عملت سلطات الاحتلال بشتى الطرق على كسر الإضراب الذي نفذه العرب السوريين في الجولان احتجاجاً على القانون القاضي بضم الجولان. وقد استهدفت سياسات الاحتلال على هذا الصعيد المساس بمصادر معيشة كافة الأشخاص الذين عبروا عن معارضتهم لسياسة الضم من خلال الالتزام بتنفيذ الإضراب، والمشاركة في كافة فعالياته. وكان النشطاء من معلموا المدارس من جملة الفئات التي تمت معاقبتها نتيجة مشاركتها في الإضراب، حيث تم فصل عشرات المعلمين من وظائفهم دون تلقيهم لأي تعويضات تذكر. وقد تقدم المعلمون الذين تعرضوا للفصل برفع قضايا لمحاكم العمل الإسرائيلية، غير أن تلك المحاكم أقرت ب “شرعية” الفصل، وحرمتهم من حقهم في نيل تعويضاتهم المستحقة، وذلك بصورة منافية لأبسط معايير حقوق الإنسان التي تكفل للأشخاص الحق في التعويض، وتحظر الفصل التعسفي من مكان العمل.

2.7- الالغام والأجسام القابلة للانفجار
قامت اسرائيل منذ احتلالها الجولان السوري بزرع العديد من حقول الألغام الأرضية بحجة الأمن، كما خصصت مناطق شاسعة من اراضي الجولان كميادين لأغراض القيام بتدريبات عسكرية، تاركة ورائها كميات من المخلفات العسكرية التي تهدد حياة المدنيين.

تنتشر حقول الألغام البالغ عددها حوالي 80 حقلاً في كافة أنحاء الجولان، وغالباً ما تعاني من الإهمال بسبب تقاعس الجيش الإسرائيلي عن صيانتها، مما أدى لإلحاق أضرار جسيمة في الأرواح بين السكان المدنيين. إذ قتل خلال فترة الاحتلال ما يزيد عن 20 شخصاً، وجرح اكثر من 80 جراء انفجار الألغام، أو نتيجة انفجار مخلفات الجيش الإسرائيلي المهملة. يذكر أن هنالك العديد من الأطفال بين القتلى والجرحى.

لم تكتف السلطات الإسرائيلية بزرع الألغام في الأماكن الخالية من السكان، بل عمدت إلى إقامة نقاط مراقبة عسكرية داخل القرى الماهولة بالسكان، وفي محاذاتها، وسيجتها بالألغام التي تحيط بعشرات البيوت السكنية لتشكل خطراً حقيقياً على أصحاب المنازل وأطفالهم، وتحول دون ممارستهم لحقهم في التنقل الحر والآمن بمحاذاة منازلهم، مما تسبب بمقتل وجرح عشرات لأطفال والبالغين من الجنسين نتيجة انفجار الألغام بهم. إضافة لذلك، تعتبر الألغام المنتشرة حول البيوت المأهولة بالسكان وبمحاذاتها خطراً يتهدد المواطنين، خاصة وأنه خلال فصل الشتاء تحدث انهيارات للتربة، فتتحرك الألغام لتداهم البيوت، وتدخل إليها، مما يستدعي إجلاء ساكنيها.

2.8- الاستيطان في الجولان
شرعت سلطات الاحتلال في تنفيذ مشاريع الاستيطان في الجولان بعد الاحتلال بعدة أسابيع، حيث أخذت بعض المجموعات بالتوافد إلى المنطقة والإقامة فيها. وقد وضعت الحكومات الاسرائيلية المتعاقية عدة خطط ومشاريع للاستيطان، أبرزها مشروع التخطيط الزراعي للجولان الذي يعتبر الزراعة قاعدة أساسية لمراحل الاستيطان الاولى، ووسيلة سهلة للسيطرة على الأرض وعلى مصادر المياه.

تشير المصادر الإسرائيلية إلى أنه في 14 حزيران/يونيو 1967 أجاز الجنرال دافيد بن اليعازر (قائد المنطقة الشمالية آنذاك) لمجموعة من أعضاء الكيبوتسات المنتشرة في الجليل بالصعود إلى الجولان والاستقرار في معسكر العليقة الواقع في وسط الجولان بعد أن كان الجيش السوري قد هجره أثناء الحرب. وتؤكد نفس المصادر على انتقال أفراد المجموعة الذين بلغ تعدادهم حوالي خمسون شخصاً إلى الإقامة في مدينة القنيطرة التي أرغم سكانها على مغادرتها وذلك في 31/8/1967، حيث قاموا بفتح مطعم، ومركز استعلامات، وعيادة طبية، وبدأوا باستقبال الوافدين من داخل إسرائيل وتنظيم جولات سياحية لهم في سائر أرجاء المنطقة للتعرف على معالمها، وتحديد الأمكان التي سيتم استيطانها مستقبلاً.

يبلغ تعداد المستوطنات في الجولان 33 مستوطنة منتشرة عبر أنحاء الجولان ويزيد عدد سكانها عن 18000 نسمه بما في ذلك مستوطنة كتسرين التي يقطنها حوالي 6000 نسمة. وتعتمد المستوطنات على مجالات الزراعة والصناعة والسياحة بصورة رئيسية، وهنالك مركزين للصناعة في مستوطنة كتسرين ومستوطنة بن يهودا.

تجدر الإشارة إلى أنّ سلطات الاحتلال شرعت مبكّراً في مصادرة المياه ووضعها تحت سيطرة شركة المياه الحكومية. ومن المعلوم أنّ أكثرية مصادر المياه تتركز شمال الجولان، حيث تقع القرى التي ظل سكانها فيها. ولذا فإنّ المصادرة كانت تعني منع أصحاب المياه الشرعيين من الإستفادة منها، وذلك بتحويلها إلى جنوب الجولان، حيث السهول الواسعة التي التي منحت للمستوطنين بعد أن تم طرد السكان الأصليين منها. خير مثال على ذلك بركة رام الطبيعية الواقعة بين قرية مجدل شمس وقرية مسعدة والتي تتسع لحوالي 13 مليون م مكعب من المياه، حيث تمت مصادرتها، ووضعت تحت تصرف المستوطنين، ليتم بذلك حرمان سكان القرى العربية المجاورة لها والمحيطة بها من الاستفادة منها.

2.9- استغلال الأرض في الجولان قبل الاحتلال
إعتمد إقتصاد الجولان عشية الحرب على الزراعة وتربية الحيوانات بشكل أساسي، حيث عمل في هذا القطاع أكثر من 62% من القوة العاملة. أما قطاع الصناعة فشكلت نسبة العاملين فية أقل من 20% من القوة العاملة. وهذا مؤشر على أهمية المنطقة من الناحية الزراعية، فقد قدّرت الأراضي الصالحة للزراعة في الجولان عام 1966 حوالي 107,150 هكتارا، زرع منها 39,352 هكتاراً. وبالمقابل، شكلت مساحة المراعي 17,500 هكتاراً وكانت معظم الاراضي بما فيها المراعي تعتمد على الامطار الغزيرة الكافية التي تتيح قيام زراعات بعلية شتوية وصيفية، بالإضافة إلى وفرة الأعشاب للمراعي، وإلى مساحات قليلة تعتمد على الري الصيفي والذي مصدره الينابيع السطحية المحلية والبرك الطبيعية.

من أهم المحاصيل الزراعية التي اعتمدها سكان الجولان كان القمح وهو يأتي بالمرتبة الاولى وبلغ متوسط انتاجه السنوي حوالي 180 ألف طن، يليه الشعير، حوالي 140 ألف طن. أمّا الحبوب الصيفية والتي تعتمد على الري فكانت الذرة الصفراء، حيث بلغ متوسط الانتاج السنوي منها حوالي 6 آلاف طن، بالإضافة إلى زراعة بعض أنواع الحبوب المستعملة كعلف للحيوانات.

أما زراعة الخضروات فكانت تعتمد على مياه الري، وانتشرت هذه الزراعة في جنوب الجولان خاصة في المناطق الدافئة. وقد شكلت الأراضي المستصلحة لزراعة الخضروات بعيد الاحتلال عام 1967 حوالي 5 آلاف هكتارا.
كان القطن من الزراعات الناجحة في الجولان، فقد بلغ انتاج في سنة 1962 حوال 26 طن، وكذلك السمسم، وكلاهما يستفاد منهما صناعياً، بالاضافة إلى زراعة الفول الذي استشهر في منطقة بانياس، وزراعة محاصيل أخرى مثل الكتان واليانسون.

وتأتي زراعة الأشجار المثمرة في المرتبة الثانية، وتشمل اشجار الزيتون، والتين، والرمان، والكرمة. وقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في الجولان عام 1966 حوالي 4,310 هكتاراً، انتشرت في الجزء الشمالي الاوسط من الجولان. هذا وقد اعتمد سكان الجولان على تربية الحيوانات نتيجة وفرة المراعي وغناها بالاعشاب. وأهم هذه الحيوانات الأغنام، الأبقار، الماعز، والخيل. وقد ازدهرت  في الجولان تربية الدواجن، والطيور، وكذلك تربية النحل وإنتاج العسل. أمّا الصناعة فكانت تشكل قطاعاً ثانوياً، إذ عمل بجميع فروع الصناعة حوالي 5 آلاف عامل 1967 من مجموع القوى العاملة، وهي تضم الحرفيين، والصناع والمشتغلين في أعمال البناء، والنقل، والمواصلات. وقد تمركز أغلب العاملين في الصناعة في مدينة القنيطرة، ومعظمهم يعمل في صناعات حرفية صغيرة كالحدادة، والنجارة، وصناعة الأدوات الزراعية البسيطة وإصلاحها، بالإضافة إلى بعض الصناعات النسيجية اليدوية كصناعة السجاد، والبسط،والخيام، ودباغة الجلود، وصناعة الحبال. وقد شكلت مدينة القنيطرة مركزاً هاماً نسبياً ازدهرت فيه التجارة في فترة ما قبل الإحتلال. لكن هذا الازدهار لم يدم طويلاً،  فابان الحرب استطاعت آلة الحرب الاسرائيلية محو واقتلاع القسم الأكبر من الجولان، وبالذات مدينة القنيطرة التي قامت سلطات الإحتلال بتفريغ البيوت فيها من محتوياتها وبيعها في اسرائيل قبل الشروع في عملية التهديم التي اسفرت عن مسح معظم مباني المدينة واحراق معظم اراضيها.

2.10- السياسة الاقتصادية لسلطات الاحتلال تجاه العرب
لقد تميزت السياسة الاسرائيلية تجاه الجولان منذ بدء الإحتلال بالعدائية، والوحشية، وعدم الوضوح، فعزلت مناطق السكان السوريين عن الوطن بعكس ما كان عليه الأمر في الضفة والقطاع. انعكست هذه السياسة سلبيا على الوضع الحياتي والمعيشي اليومي، حيث تحول المركز الذي ارتبطت به حياة الناس إلى مناطق مدمرة وخالية من السكان. وقد أدى هذا إلى تصدع العلاقات الاجتماعية – والاقتصادية للعرب السوريين، حيث عاودت سلطات الإحتلال منذ البدء بإعادة تشكيل هذه العلاقات بما يتلائم مع سياساتها، ومصالحها. وقد سهلت سياسة الاغلاق والعزل هذا الامر، إذ فرضت على السكان علاقات تجارية واقتصادية قسرية بالسوق الاسرائيلية. زد على ذلك الموظفين والعمال الذين فقدوا أعمالهم نتيجة الاحتلال.

إنّ عملية الدمج السريع للنشاط الإقتصادي لسكان الجولان بالإقتصاد الإسرائيلي كان ضمن أولويات السلطات الإسرائيلية الهادفة إلى أسرلتهم عبر دمجهم بالمجتمع الاسرائيلي، وتحويلهم إلى طبقة بروليتارية تعمل في سوق العمل الإسرائيلي كأيدي عاملة رخيصة.

إنّ ما يميز سياسة الإحتلال في الجولان هو العمل الحثيث على مصادرة الأراضي خدمة للاستيطان، أو لأغراض عسكرية – أمنية. ونتيجة لذلك، فقد السكان اكثر من نصف أملاكهم الزراعية التي هي عماد اقتصادهم. وقد شملت هذه المصادرات بالاضافة إلى أراض زراعية معظم المراعي، وتم منع الحيوانات من دخولها مما اضطر اصحابها إلى هجر تربية الحيوانات الذي كان أحد الأعمدة الاقتصادية للسكان العرب، حيث نجحت سلطات الاحتلال في القضاء على هذا القطاع الاقتصادي الحيوي الذي اعتاش منه مئات العائلات في الجولان. وقد تحوّلت مساحات واسعة من المراعي والاراضي الزراعية التي صادرها الإحتلال إلى مناطق عسكرية وحقول ألغام، وحرم أصحابها من الدخول اليها.

انعكست جميع هذه التصرفات سلبيا على السكان وعلى أوضاعهم المعيشية. فقد تأثّر إنتاجهم الزراعي في فرع الالبان والمحاصيل الحقلية حتّى انتهى كليا، وبالتالي تحوّل المجتمع الى الاعتماد على المنتجات الزراعية الاسرائيلية، وجزئيا على انتاج المستوطنات ذاتها (خاصة في مجال الألبان).

إنّ ما تبقى للسكان من قطاع الزراعة هو زراعة الأشجار المثمرة والتي هي الأخرى لم تسلم حتى النهاية، حيث حوّلت السلطات الاسرائيليه قسماً منها إلى حقول ألغام وطرقات عسكرية. ولقد شكل الإعتناء بالأشجار المثمرة مصدر دخل لا بأس به، وخاصة زراعة التفاحيات التي أثبت سكان المنطقة تفوقهم في هذا المجال، واستطاعوا لغاية الآن أن يصمدوا أمام الانتاج الاسرائيلي. وأهم العوامل التي ساعدت في ذلك هي توفر المناخ المناسب وتوفر بعض الينابيع التي لم تتمكن سلطات الاحتلال من مصادرتها، فحفرت العديد من الأبار الارتوازية بمحاذاتها مما تسبب بنقص في غزارتها، يضاف إلى ذلك، روح العمل العالية عند المزارعين وشعورهم الدائم بخطر مصادرة هذه الاراضي.

تلعب زراعة التفاح دوراً اساسياً في مصدر دخل، وتؤدي إلى زيادة ارتباط المزارع بالارض، والحؤول دون مصادرتها باعتبارها مغروسه بالاشجار. إن سياسة الحصار والمصادرة للاراضي جعلت السكان ينجحون في تحويل قسم كبير من الأراضي البعلية إلى أراض صالحة للزراعة، وغرسها بالأشجار المثمرة عبر استثمار مبالغ طائلة فيها. لكن عملية استصلاح الأراضي الوعره لم تكن مجدي من الناحية الاقتصادية، بل مكلفة للسكان. لكن ذلك كان السبيل الوحيد للحفاظ على هذه الأرض. زد على ذلك فإن زراعة الاشجار المثمرة بحاجة الى مياه من أجل الري، وهذا ما حاولت السلطات الاسرائيليه حرمان المزارعين منه بمصادرتها لكافة مصادر المياه السطحية والجوفية.

لاحقاً قام المستوطنون بانشاء مجمعات مياه اصطناعية في وسط وجنوب الهضبة، مما جعل شركة المياه موكوروت تقوم بتخصيص كميات قليلة من مياه البحيرة لري مساحات محدودة من الأراضي المجاورة والتي يمتلكها العرب لكن بمخصصات لا تتجاوز 10% من احتياجات الري وباسعار عالية وباهضة التكاليف هدفها من ذلك إكراه الناس على التخلي عن الزراعة التي شكلت وتشكل جزءً من الصمود والبقاء.
2.10.1- نشاط المستوطنين الاقتصادي
للإستيطان الإسرائيلي في الجولان هدفه الإقتصادي بلا شك، حيث شرعت السلطات الإسرائيلية وبعد الإحتلال مباشرة على التثبت من السيطرة على الأراضي واقامة المشاريع والدراسات الموسعة والمعمقة لأساليب الإستغلال الإقتصادي للأراضي المنهوبة. فالأرض غنية ومتنوعة بتنوع مناخها على الرغم من صغر مساحتها، وقد راعت سياسة التخطيط الإستيطاني هذا التنوع، ويلاحظ في هذا المجال شكل الأنتشار الزراعي والصناعي والسياحي. فمثلا: الجولان الشمالي، بالإضافة الى استغلاله العسكري، يستغل للسياحة (أهم مراكز السياحة هو موقع التزلج على الثلج على جبل الشيخ، الذي يجتذب السياح في الشتاء والصيف. ومن الجدير ذكره هنا أنه تمت مصادرة قسم كبير من الأراضي التابعهلسكان قرية مجدل شمس من أجل اقامة هذا الموقع).

نتيجة للطقس البارد الذي يسود شمال الجولان ووفرة مياهه، قامت سلطات الإحتلال بانشاء المستوطنات الزراعية التي اعتمدت على زراعة الأشجار المثمرة التي تتلاءم مع المناخ، حيث انتشرت زراعة التفاحيات واللوزيات والكرز. هذا  بالأضافه الى اعتماد التصنيع الزراعي وإقامة بعض المعامل المختصة بعصر وتجفيف قسم من الإنتاج. أما الجولان الجنوبي المتميز بمناخ دافىء ودرجات حرارة مرتفعة فقد ركزت المستوطنات على زراعة أصناف خضار، أو فواكه استوائية مثل المانغو، والافوكادو، والموز بالأضافه الى زراعة الحبوب والقطن في السهول الجنوبيه للجولان. أن تنوع المحاصيل الزراعية وعلى مدار السنة خلق للجولان أهمية اقتصاديه ندر مثيلها. إضافه إلى ذلك، هنالك مساحات واسعة تستعمل كمراعي طبيعية نتيجة وفرة النباتات والحشائش التي تشكل علفا جيدا للماشية دون أي تكلفة تذكر، وذلك نتيجة لوفرة المياه، والأمطار الغزيرة على مدار السنة. فتربية الحيوانات تعتبر قطاعا هاما يزود إسرائيل بكميات وافرة من الحليب رفيع الجودة، واللحوم الطازجة، إضافة إلى تربية النحل، وإنتاج العسل، وتربية الأسماك في الأحواض الأصطناعية. لذلك يمكن القول أن المنتجات الزراعية والحيوانية في الجولان تسهم في تقوية الإقتصاد الإسرائيلي، هذا عدا عن مصادر كبيرة للمياه المعدنية التي اقيمت من اجلها المعامل حيث تستغل وتوزع على السوق على نطاق واسع.

أما الجانب الصناعي فله نصيبه الهام، حيث اقيمت في الجولان عشرات المصانع والمعامل المتخصصة بمجالات انتاج متعددة. فمثلا هناك مصانع للأدوات الكهربائية والإلكترونية، ومصانع لأدوات التدفئة، وللصناعات التحويلية التي يتم انتاجها وتصديرها للخارج. بالأضافة إلى قطاع صناعة الخمور المتطور نظراً لنجاعة زراعة الكرمة الملائمة لذلك في الجولان، حيث أنه يعتبر من أجود الخمور التي تقوم إسرائيل بتصديرها إلى الدول الأوروبية، وأمريكا الشمالية، وكندا، واستراليا.

أما قطاع السياحة في الجولان الجنوبي فيشغل حيزاً كبيراً من سياسة التخطيط، وذلك لما يزخر به الجولان من مواقع أثرية وطبيعة خلابة من الأودية والشلالات، إضافة إلى منطقة الحمة الطبيعية ذات المياه الكبريتية والحارة التي تستقطب مئات آلاف من السياح سنويا من اسرائيل والخارج.

تنتج المستوطنات في الجولان السلع الرئيسية التالية: النبيذ الذي يلبي 21% من احتياجات السوق المحلية الإسرائيلية ويشكل 38% من صادرات النبيذ، ولحوم الأبقار التي تغطي 40% من احتياجات السوق الإسرائيلية، والتفاح ويغطي 30%، والكرز الذي يغطي 50%، بالإضافة لتعبئة المياه المعدنية (مي عيدن) التي تغطي 50%.